صديق الحسيني القنوجي البخاري
98
فتح البيان في مقاصد القرآن
تبالغوا فيها بالفساد نحو قطع الطريق ، والغارة واهلاك الزرع ، وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه ، يقال : عثا في الأرض إذا أفسد ، وبابه سما ، وعثى بالكسر ، وعثى بفتحتين بوزن فتى قال الأزهري : القراء كلهم متفقون على فتح الثاء وقد دل أن القرآن نزل باللغة الثانية ، وفي القاموس : عثى كسعى ورمى ورضى . وَاتَّقُوا اللّه الَّذِي خَلَقَكُمْ أي من نطفة ، وإعدامكم أهون شيء عليه ، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله : وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ الذين أهلكوا بالمعاصي ، كقوم لوط كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة قرىء الجبلة بكسر الجيم والباء وتشديد اللام وقرىء بضمهما وتشديد اللام ، وقرىء بفتح الجيم مع سكون الباء والجبلة الخليقة قاله مجاهد وغيره ، يعني الأمم المتقدمة يقال : جبل فلان على كذا أي خلق . قال النحاس : الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأولين وبضمهما مع تشديد اللام فيهما ، وبضم الجيم وسكون الباء وضمه وفتحها قال الهروي الجبلة والجبلة والجبل والجبل لغات وهو الجمع والعدد الكثير من الناس . ومنه قوله تعالى : جِبِلًّا كَثِيراً [ يس : 62 ] أي خلقا كثيرا . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 185 إلى 195 ] قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 191 ) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي من المخلوقين وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا إدخال الواو هنا يفيد معنيين كلاهما مناف للرسالة عندهم ، التسحير والبشرية ، يعني أن كلّا منهما كاف فكيف إذا اجتمعا ، وترك الواو في قصة ثمود ليفيد معنى واحدا ، وهو كونه مسحرا ، وقد تقدم تفسيره في هذه السورة . وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ فيما تدعيه علينا من الرسالة وقيل ما نظنك إلا من الكاذبين ، والأول أولى . فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً كان شعيب عليه السلام يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا له هذا القول تعنتا واستبعادا وتعجيزا ، قال أبو عبيد الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة ، قال الجوهري الكسفة القطعة من الشيء يقال أعطني كسفة من ثوبك . والجمع كسف وكسف ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة سبحان مِنَ السَّماءِ أي السحاب أو الظلة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك .